ابن الأثير

122

الكامل في التاريخ

وكان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بالعادل ، وأنّه بلغ من وثوقه به أنّه أدخله بلده وهو غائب عنه ، ولقد أرسل إليه أخوه الظاهر غازي ، صاحب حلب ، يقول له : أخرج عمّنا من بيننا فإنّه لا يجيء علينا منه خير ، ونحن ندخل لك تحت كلّ ما تريد ، وأنا أعرف به منك ، وأقرب إليه ، فإنّه عمّي مثل ما هو عمّك ، وأنا زوج ابنته ، ولو علمت أنّه يريد لنا خيرا لكنت أولى به منك . فقال له الأفضل : أنت سيّئ الظنّ في كلّ أحد ، أيّ مصلحة لعمّنا في أن يؤذينا ؟ ونحن إذا اجتمعت كلمتنا ، وسيّرنا معه العساكر من عندنا كلّنا ، ملك [ 1 ] من البلاد أكثر من بلادنا ، ونربح سوء الذكر . وهذا كان أبلغ الأسباب ، ولا يعلمها كلّ أحد ، وأمّا غير هذا ، فقد ذكرنا مسير العادل والأفضل إلى مصر وحصارهم بلبيس ، وصلحهم مع الملك العزيز بن صلاح الدين ، ومقام العادل معه بمصر ، فلمّا أقام عنده استماله ، وقرّر معه أنّه يخرج معه إلى دمشق ويأخذها من أخيه ويسلّمها إليه ، فسار معه من مصر إلى دمشق ، وحصروها ، واستمالوا أميرا من أمراء الأفضل يقال له العز [ بن ] أبي غالب الحمصيّ ، وكان الأفضل كثير الإحسان إليه ، والاعتماد عليه ، والوثوق به ، فسلّم إليه بابا من أبواب دمشق يعرف بالباب الشرقيّ ليحفظه ، فمال إلى العزيز والعادل ، ووعدهما أنّه يفتح لهما الباب ، ويدخل العسكر منه إلى البلد غيلة ، ففتحه اليوم السابع والعشرين من رجب ، وقت العصر ، وأدخل الملك العادل منه ومعه جماعة من أصحابه ، فلم يشعر الأفضل إلّا وعمّه معه في دمشق ، وركب الملك العزيز ، ووقف بالميدان الأخضر غربيّ دمشق . فلمّا رأى الأفضل أنّ البلد قد ملك خرج إلى أخيه ، وقت المغرب ،

--> [ 1 ] فملك .